"المعجزة اللوجستية السعودية" تتفادى تأثير هرمز وتضاعف تدفق الإمدادات العالمية
فرض إغلاق إيران لمضيق هرمز أمام حركة التجارة العالمية واقعاً مغايراً بصفته أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والبضائع من الشرق الأوسط إلى العالم، إذ صاحب ذلك تعطل في إمدادات الطاقة العالمية، في حين تحولت السعودية إلى مركز لوجستي عالمي وسط أزمة سلاسل الإمداد، إذ فعّلت الرياض 5 مسارات لوجستية جديدة بقطاع الشحن، لرفع مستوى التكامل مع أنماط النقل المختلفة، إذ تربط موانئ الخليج العربي بوسط وشمال البلاد، وتمتد وصولاً إلى موانئ البحر الأحمر والدول شمال المملكة.
وعبر شبكة النقل متعددة الوسائط التي تجمع بين النقل البري والسككي، بما يرفع كفاءة تدفق البضائع، تتحول قوافل الشاحنات الثقيلة المسرعة عبر الصحراء العربية إلى صمام نجاة للاقتصاد العالمي، وفقاً لما تذهب إليه وول ستريت جورنال.
وفي خضم المتغيرات المتسارعة التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، تحولت الطرق السريعة والسكك الحديدية والموانئ في السعودية والإمارات وسلطنة عمان إلى شريان لوجستي طارئ يلتف على تداعيات إغلاق مضيق هرمز وذلك أثناء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران التي اندلعت في 28 فبراير المنصرم.
إحياء طرق التجارة التاريخية
في الإطار ذاته، يعزز عبور الشاحنات بالطرق السريعة إعادة النظر لدى صناع القرار في المنطقة بمسائل إحياء طرق التجارة التاريخية على غرار إعلان السعودية أخيراً استكمال دراسة الربط السككي مع تركيا، مروراً بالأردن وسوريا، وذلك قبل نهاية العام الجاري، من أجل تعزيز التكامل الإقليمي، ودعم حركة التجارة.
"المعجزة اللوجستية السعودية"
ووضعت السعودية إمكاناتها كافة لتوفير حلول فعّالة أمام تعزيز تدفقات التجارة الدولية عبر إجراءات واسعة أبرزها تفعيل 5 مسارات لوجستية برية ترتبط بمختلف موانئ الخليج العربي والبحر الأحمر، الأمر ذاته جعل بيتر هاريسون، وهو محلل في شركة "CRU" يصف التحرك السعودي لإبقاء التجارة والطاقة متدفقتين رغم اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز وتداعيات الحرب في المنطقة بـ"المعجزة اللوجستية السعودية"، وفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال.
وعقب تطورات الأحداث المصاحبة لمضيق هرمز، بدأ بوب ويلت الرئيس التنفيذي لشركة التعدين السعودية "معادن"، إرسال مسؤولي شركته إلى موانئ البحر الأحمر. في غضون أسبوعين استطاع ضمان التنسيق مع مشغلي القطارات والشاحنات لنقل الأسمدة من الخليج إلى ميناء البحر الأحمر، يقول ويلت: بدأنا بـ600 شاحنة، ثم 1600، والآن لدينا 3500 شاحنة تعمل على مدار الساعة، بأعداد هائلة من الشاحنات، يعمل معظمها على مدار الساعة، مع سائقين لكل شاحنة.
وقال ويلت، المولود في ولاية ماريلاند الأميركية، إن "معادن" ستتمكن من معالجة تراكم صادراتها بحلول نهاية شهر مايو (أيار) وأضاف: "لا أعلم إن كنت أؤمن فعلاً بأننا نستطيع تنفيذ ذلك أم لا".
"سد النقص العالمي"
ويتابع الرئيس التنفيذي لشركة معادن القول: هذا التحرك لم يكسر حصار الصادرات فحسب، بل أسهم بشكل مباشر في سد النقص العالمي في الأسمدة الذي كان يُهدد الأمن الغذائي الدولي، وهو ما وصفه محللون بـ "المعجزة اللوجستية السعودية" ، وفقاً للصحيفة الأميركية.
فيما شكلت الأزمة الراهنة اختباراً لقدرة شركة معادن بالعمل عالمياً، خاصة في الوقت الذي توسع السعودية العمل على إنتاج الفوسفات والذهب والألمنيوم عبر خطط لاستثمار 110 مليارات دولار خلال العقد المقبل، وفقاً لحديث رئيس الشركة التي تتعاون مع شركة "MP Materials" الأميركية ووزارة الدفاع الأميركية في مشاريع تكرير المعادن النادرة.
وأمام حزمة الحلول اللوجيستية السعودية، باتت خطوط الشاحنات جزءاً من إعادة رسم أوسع لخريطة الخدمات في المنطقة، عبر تحويل التجارة بعيداً عن منطقة الخليج والاستفادة من موانئ السعودية في البحر الأحمر، وباتت شركات شحن عالمية مثل "MSC" و"ميرسك"، نقل البضائع بالشاحنات براً عبر شبه الجزيرة العربية.
إذ أرسلت سلسلة متاجر سبينيس الإماراتية شاحنات محملة بأغذية بريطانية، بينها رقائق البطاطس والشوفان ووجبات الأطفال الخفيفة، في رحلة استمرت 16 يوماً انطلقت من مقاطعة كينت البريطانية عبر أوروبا الغربية ثم مصر والسعودية وصولا إلى دبي، كما نقلت الاتحاد للشحن بالقطارات مؤخرا مئات سيارات نيسان من الفجيرة على الساحل الشرقي للإمارات إلى أبوظبي الواقعة على الخليج العربي، في أول عملية نقل سيارات بالقطار في تاريخ الدولة.
وتعد قوافل الشاحنات أحدث مثال على قدرة الاقتصاد العالمي على إظهار مرونة مفاجئة أمام صدمات الحروب، فرغم تراجع صادرات النفط والغاز الطبيعي بشكل حاد، فإن جزءاً كبيراً منها لا يزال يصل إلى الأسواق العالمية عبر مسارات بديلة، وفقاً لتقرير صحافي لـ وول ستريت جورنال.
قبل أيام، أطل أمين الناصر، رئيس شركة أرامكو السعودية، ليبعث بتأكيدات بأن خط الأنابيب شرق – غرب الذي أصبح يعمل بطاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل من النفط يومياً، أثبت أنه شريان حيوي لضمان استمرار إمدادات النفط والمنتجات الأخرى إلى الأسواق، إذ خفف آثار صدمة الطاقة، وقدم الدعم للعملاء المتضررين من قيود الشحن في مضيق هرمز.
وأشار إلى أن الأحداث الأخيرة أظهرت بوضوح الإسهام الحيوي للنفط والغاز في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، بما يمثّل تذكيراً واضحاً بأهمية توفر إمدادات طاقة موثوقة، والخط ذاته يعطي تأكيد لافت بأن قدرة السعودية اللوجيستية التي وصفتها وول ستريت جورنال بـ"المعجزة" يجعلها المورد الأكثر موثوقية عالمياً في ظل اضطراب سلاسل الإمداد.
ويربط خط أنابيب شرق–غرب "بترولاين"، حقول النفط في المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر. ويُعد هذا الخط أحد أهم البدائل العالمية لتجاوز الاختناقات الجيوسياسية في الخليج العربي، حيث تصل طاقته الاستيعابية إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًا، مما يمنح المملكة قدرة كبيرة على إعادة توجيه صادراتها النفطية بعيدًا عن مضيق هرمز.
كما اعتمدت أرامكو بشكل مكثف على خط أنابيب الشرق-الغرب الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وبرزت فكرة تأسيسه عام 1980 لخدمة المجمعات الصناعية وتلبية متطلباتها، بينما دفعت الإمارات بمزيد من النفط الخام عبر الفجيرة. كما يدرس البلدان توسيع طاقة هذه الخطوط النفطية. وتشمل المقترحات الأخرى إنشاء خطوط سكك حديدية جديدة وتوسعة البنية التحتية للموانئ في المنطقة.
مقابل ذلك، أصبح ميناء خورفكان الأصغر حجماً شريان حياة غير متوقع للإمارات، إذ قفزت حركة الشاحنات في ميناء خليج عمان إلى 7000 شاحنة يومياً مقارنة بـ 100 فقط قبل الحرب، وأصبحت طوابير المركبات الثقيلة المحملة بالحاويات مشهداً يومياً على الطرق، كما تقول وول ستريت جورنال.
في المحصلة، تؤكد حزمة الإجراءات السعودية عبر: تنفيذ 5 مسارات لوجيستية جديدة بقطاع الشحن، وإيجاد تسهيلات تشغيلية للشاحنات والنقل البري، وإيجاد مناطق تخزين وإعادة توزيع في الدمام، قدرة فائقة في إدارة التحديات اللوجستية، فضلاً عن تنوع المنافذ البحرية بين الخليج العربي والبحر الأحمر، قدرتها على التحول من إدارة التحديات إلى بناء ميزة استراتيجية قائمة على التكامل والمرونة والجاهزية العالية، إذ تتمتع بمحركات رئيسية للتحول الاقتصادي ضمن رؤية السعودية 2030، وذلك لتعزيز موقع المملكة كمركز لوجستي عالمي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، مدعومًا بالاستثمار والتقنيات الحديثة.

تعليق